أهوار جنوب العراق

 جريمـة الإبـادة البيئيـة و البشريـة

مسبباتهــا و آثارهــا

"The Crime of Marsh Destruction"

marine science centre

University of Basrah, 2004


One of the most important researches introduced in The First Scientific Conference on the Rehabilitation of Southern Iraqi Marshes held in MSC (11-12 April 2005)  was " The Crime of Marsh Destruction". It's in Arabic.  
 

 

مركز علوم البحار

جامعة البصرة

2004

المؤسسات و الأشخاص المشاركون

   

- مركز علوم البحار

د.محمد شريف احمد الاسدي

قسم الاحياء البحرية

 

 د. طالب عباس خلف

رئيس قسم الاحياء البحرية

 

م . مصطفى احمد المختار      

رئيس قسم الفقريات البحرية

 

د.غازي مالح جبر    

طبيب بيطري

 

حسين غازي خليفة            

كابتن بحري

 

حسن خليل حسن           

قسم الفيزياء البحرية

- كلية الآداب              

أ.د.ماجد السيد ولي محمد        

عضو مجلس الجامعة

- محافظة البصرة         

عبدالله حياوي نيشان             

وحدة انعاش الاهوار

-  مديرية بيئة البصرة     

طـه ياسين محمد                

مدير بيئة البصرة

 

دنيا علي حسين                  

ماجستير بايولوجي

- هيئه سياحة البصرة     

عبدالحسين مجيد المالكي         

مدير سياحة البصرة

 

 محمد عبد الجبار احمد           

سياحة البصرة

 - مديرية زراعة البصرة   

عادل عبدالواحد عبدالحسن       

مهندس زراعي

 

محمد عبدالوهاب نعمة           

مهندس زراعي

 - شركة نفط الجنوب       

ارشد عبدالرحيم عقراوي 

م.مهندس   

 

خلاصة تنفيذية

قام النظام البعثي خلال اوائل التسعينات بحملة هندسية منظمة واسعة و مبرمجة لتجفيف اهوار جنوب العراق من خلال اقامة سلسلة من السدود و السداد و القنوات الغرض الوحيد منها هو منع دخول الماء الى مناطق الاهوار، الامر الذي ادى الى جفافها بنسبة كبيرة تزيد عن 95% قبل سقوط النظام. ادت عمليات التجفيف الى اضرار بيئية جسيمة وكذلك اضرار بشرية عصفت بمئات الالاف من البشر و ادت الى تحطيم نظام حياة استمر اكثر من 5000 عام.

من الناحية البيئية ادت عمليات التجفيف الى تقليص مساحة الاهوار التي كانت تمتد الى 15000-20000 كيلومتر مربع خلال السبعينيات الى اقل من 2000 كم2 قبل سقوط النظام. لقد تلاشت الاهوار المركزية و اهوار الحمار بنسبة 97% وتحولت اراضيها الى اراضي جرداء مغطاة بقشرة ملحية، بينما نجى ثلث مساحة اهوار الحويزة الحدودي لاسباب عسكرية. كان تأثير التجفيف على النظام البيئي للاهوار تاثيرا كارثيا مخربا بشكل كلي. فقد انقرضت من المنطقة العديد من اللبائن المستوطنة للمنطقة و كذلك انواع خاصة بالمنطقة من الطيور. اضافة الى تهديد العديد من انواعها. كذلك اصبحت الكثير من انواع الاسماك و خاصة المحلية منها و الاقتصادية تحت التهديد بالانقراض من المنطقة. لقد اختفت الاهوار كموقع للتشتية و التجمع للهجرات داخل و بين القارات للطيور المهاجرة مما ادى الى وضع 40 نوعا من الطيور على قائمة الخطر نتيجة لانخفاض  اعداد تجمعاتها، وقد غير بعضها قسريا مناطق تجمعه الى مناطق غير ملائمة. كما ادى جفاف الاهوار الى فقد العديد من انواع الاسماك مناطق تكاثرها و رعاية صغارها. ان العديد من تجمعات الاسماك الساحلية تعتمد على الاهوار قي هجراتها سواء للتغذية او للتكاثر و مواطن لرعاية الصغار مما ادى الى تاثر هذه التجمعات بشكل كبير.ان نقص المياه العذبة القادمة الى شط العرب نتيجة لتحويل اكثر المياه الى شط البصرة ادى الى تغير ملحوظ في بيئة شط العرب، حيث اقتحمت المياه المالحة الشط الى مسافات ابعد مما ادى الى تغير كبير في بيئته.  اضافة الى ذلك فان النقص الحاصل في كمية الرواسب الملقاة في البحر خفضت من تسارع دلتا شط العرب مما سيؤدي الى قلب العملية الجيولوجية من خلال تآكل الساحل (1) اما من الناحية البشرية فان الابادة الجماعية هي النية للتدمير كليا او جزئيا ، لامة او عرق او جماعة دينية اما بالقتل او باحداث اضرار جسيمة او بالعقوبات التي تؤدي الى ضرر فيزيائي للمجموعة.ان عرب الاهوار هم سكان بلاد ما بين النهرين منذ خمسة آلاف سنة وقد طوروا حياة فريدة معتمدة على المياه، يتكونون من عشائر عدة الا انهم يمتلكون ثقافة موحدة ولغة واحدة ودين وعادات مشتركة . لذلك فهم يشكلون بوضوح مجموعة اثنية منفصلة. لقد ادت الجريمة الى ابادة عنصرا حضاريا  و ارثا تاريخيا اصيلا.

خلال اوائل الثمانينات قام نظام صدام حسين بحملات عسكرية مدمرة على سكان الاهوار ادت الى قتل العشرات الالاف من المدنيين . بعد انتفاضة عام 1991 اشتدت الهجمة و ادت ايضا الى قتل عشرات الالاف، ودمرت مدنهم و قراهم وحقولهم و حيواناتهم باستخدام الطائرات الحربية و القوات المسلحة و تم ازالة قرى كاملة عن الوجود. وقد استخدمت في بعض الاحيان اسلحة الدمار الشامل المحرمة.تم ارغام الناجين على ترك موطنهم قسريا و الانتقال الى مناطق اخرى ولمرات عدة. تزامنا مع ذلك قام النظام البعثي ( و باوامر مباشرة من رئيسه صدام حسين) بتنفيذ برنامج منظم لتجفيف الاهوار باستخدام سداد هائلة كلفت البلاد الكثير من الاموال و الطاقات. هذه الجهود المتعمدة كانت لازالة الاهوار و تجمعاتها السكانية المتهمة من قبل النظام بالمشاركة في انتفاضة عام 1991 و ايواء المعارضين. في غضون عشرين سنة تقلصت مساحة الاهوار بنسبة اكثر من 90%. مما ادى الى حدوث واحدة من اعظم الكوارث البيئية العالمية خلال القرن العشرين. بذلك تم حرمان سكان الاهوار من المعاني الاساسية لمعيشتهم، بحيث اصبحت الظروف كارثية بما لا يمكنهم معه العيش . اضافة الى ذلك  فان الحالة ازدادت سوءا نتيجة للحصار الاقتصادي الذي فرضته الدولة على الاهوار وكذلك انعدام الرعاية الصحية . هذه الظروف اضافة الى الحملات العسكرية المستمرة ادت الى قتل عشرات الالاف والى هجرة قسرية حيث انخفض مجموع السكان من اكثر من 400000 فرد قبل ثلاثين سنة الى حوالي 85000 فرد. اللذين نجوا اصبحوا تحت ضغط الابادة مما ادى الى هربهم الى المدن واصبحوا عاطلين عن العمل و انتشروا في المخيمات كلاجئين في دول الجوار . لقد وصل الامر بسكان الاهوار الى حافة الانقراض. ان مما لا شك فيه ان مثل هذه الاعمال تقع ضمن تعريف الابادة الجماعية .

على ضوء المستوى الواسع و المتعمد لهذه الاعمال وعلى اساس الوثائق و الاشرطة المرئية  للخطط و الاوامر للهجمات ضد السكان فان هناك قضية لا جدال فيها وهي ان النظام الصدامي له قصد الابادة الجماعية . ان النظام عازم على تحطيم سكان الاهوار القدماء . على اساس اتفاقية الابادة الجماعية فان الاتفاقية تاخذ على عاتقها ايقاف او المعاقبة على فعل الابادة الجماعية . ولغرض استكمال العمل بالاتفاقية فان الامر يتطلب فعل عاجل لوضع مرتكبيها تحت طائلة العدالة (2)

أ- المقدمة

 

تعتبر اهوار جنوب العراق ، تلك الجنة المفقودة، من المناطق المهمة وذات الصفات المتفردة التي جذبت مجموعة كبيرة من سكان العراق للعيش فيها و تحمل ظروفها القاسية لما فيها من خير وفير. ان هذه البيئة الخلابة و المتفردة كانت منبعا للحضارات وقبلة للعديد من الباحثين عن النظم الاجتماعية الاصيلة.  مساحتها عند العام 1973 تبلغ 15000-20000 كم مربع، تقع عند الموقع الجغرافي °29 '55 - °32 '45 شمالا و °45 '25-°48 '30 شرقا. كانت هذه المنطقة تتسع لتبلغ المسافة بين واسط و البصرة(السيد ولي 2004). لقد لعبت هذه المنطقة دورا سياسيا مهما في العديد من الازمنة، الامر الذي جر عليها ويلات الحكام و انتقامهم وكانت كثيرا ما تؤوي المناهضين للحكومات و الثوار. تظم هذه المنطقة اقليما جغرافيا مهما في الخريطة الجغرافية للعراق يشارك بشكل اساسي في مناخ المنطقة و نظامها المائي ونسق توزيعها السكاني و نشاطها الاقتصادي و الثقافي. لذلك فهو جزءا لا يتجزأ من تاريخ العراق وحضارته ونظامه الحيوي، ولا بد من استعادته ليكون جزءا من مستقبله حيث ان فقدان مثل هذا الاقليم له مساوئ كبيرة.

-       اصل الاهوار و منشأها:

لقد لخص المياح(1994)  الاراء المختلفة حول نشأة الاهوار وكيفية تكونها في ثلاث اراء هي:

الرأي الأول/ ويعتقد ان المنطقة كانت مغمورة بمياه البحر الى ما قبل الالف الرابع قبل الميلاد ثم انحسر البحر تدريجيا الى الخليج  بعامل الترسبات و تخلف جزء من مياهه في بعض المنخفضات فكونت هذه الاهوار.

الرأي الثاني/ ويعتقد ان المنطقة تكونت نتيجة التواء القشرة الأرضية مما ادى الى ارتفاعها في بعض الأماكن و انخفاضها في البعض الآخر و يعتقد أصحاب هذا الرأي بان الاهوار كانت اهوارا منذ الأزل ولا يوجد ما يجزم بان راس الخليج كان شمال موقعه الحالي بل ان هناك ادلة جيولوجية على القدم السحيق للاهوار و استمرار انخفاضها بسبب الحركة التكتونية.

اما الراي الثالث / فيعتقد ان الاهوار تكونت نتيجة للفيضانات الهائلة لنهري دجلة و الفرات خاصة الفيضان الذي حصل في العام السابع الهجري أي بحدود 628 م حيث طغى النهران دجلة و الفرات مرة واحدة بحيث لم يعد بإمكان أي جهد بشري إيقافه مما أدى الى تخريب السدود و تحول مجاري الانهر و بالتالي تحول المناطق الجنوبية الى مستنقعات و اهوار عرفت عند العرب بالبطائح.

من الاسباب الاخرى لتكون الاهوار(UNEP2001) ترتبط مع طبوغرافية الارض السفلى لوادي نهري دجلة و الفرات هو عبارة عن سهل رسوبي منبسط. يميل نهر الفرات فيه بمعدل 4 سم / لكل كيلومتر و على مسافة 300 كيلومتر. اما دجله فله ميل اكثر من ذلك (scott,1995) . نتيجة هذا الانبساط فان النهرين انحرفا عن مسارهما المستقيم و أخذا بتشكيل العديد من الانحناءات، الامر الذي سبب ظهور العديد من الافرع وادى الى تكون الدلتاوات الداخلية. عند شمال الناصرية فان القناة الرئيسة للفرات تذوب في الاهوار. اما نهر دجلة و الذي يزود بالعديد من الافرع من جهته الشرقية من جبال زاجروس، يبدو انه اكثر قوة هيدروليكية ليبقى مساره اكثر استقامة، الا انه في اجزاءه السفلى و قرب مدينة العمارة يبدا بفقد سرعته و التفرع الى العديد من القنوات التي تؤدي الى الاهوار. العامل الاخر الذي ساعد على تكون الاهوار هو ان مسطح ما بين النهرين يصبح ضيقا جدا فوق منطقة الخليج. هذا بسبب الشبكة الرسوبية الكبيرة لوادي البطين و منبسط الدبدبة المتكونة من منطقة نجد في الغرب ، ونظام الكرخة و الكارون النابعة من جبال زاجروس في الشرق. حيث يزود الكرخة الاهوار الشرقية و تجري الكميات الزائدة الى شط  العرب عن طريق قناة السويب. نتيجة للانتشار المروحي شمال الخليج لوادي البطين/ الدبدبة و نظام الكارون و الكرخة فقد تقلص الجزء الاسفل من وادي الرافدين الى اقل من 45 كم ومنع النهرين من ان يصبا مباشرة في الخليج. بسبب هذا تم اعتراض الجريان الطبيعي للنهرين و  اجبرا على ترسيب  حملهما العالق في الاجزاء الداخلية. الامر الذي ادى الى تشكيل دلتا مزدوجة عبارة مركبة من  اهوار داخلية ونظام مصبات. ان الاختلاف الكبير في كميات المياه الفصلية في نهري دجلة و الفرات شاركت في تكوين الاهوار. حيث ان الاختلاف قد يصل الى اكثر من 1.5-3 متر وحتى 9متر كما في فيضان 1954 (scott 1995). هذا الاختلاف يعزز وجود نظام الاهوار و البرك المؤقتة و الدائمة و المياه الضحل